سيد محمد طنطاوي
188
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وانتصب لفظ « نذيرا » من قوله : * ( نَذِيراً لِلْبَشَرِ ) * على أنه حال من الضمير في قوله * ( إِنَّها لإِحْدَى الْكُبَرِ ) * أي : إن سقر لعظمى العظائم ، ولداهية الدواهي ، حال كونها إنذارا للبشر ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم ، ويعودوا إلى إخلاص العبادة لخالقهم . ويصح أن يكون تمييزا لإحدى الكبر ، لما تضمنته من معنى التعظيم ، كأنه قيل : إنها لإحدى الكبر إنذارا للبشر ، وردعا لهم عن التمادي في الكفر والضلال . . فالنذير بمعنى الإنذار . وقوله - سبحانه - : * ( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) * بدل مفصل من مجمل ، هذا المجمل هو قوله * ( لِلْبَشَرِ ) * . أي : إن سقر لهى خير منذر للذين إن شاؤوا تقدموا إلى الخير ففازوا ، وإن شاؤوا تأخروا عنه فهلكوا . فالمراد بالتقدم نحو الطاعة والهداية . والمراد بالتأخر : التأخر عنهما والانحياز نحو الضلال والكفر إذ التقدم تحرك نحو الأمام ، وهو كناية عن قبول الحق ، وبعكسه التأخر . . ويجوز أن يكون المعنى : هي خير نذير لمن شاء منكم التقدم نحوها ، أو التأخر عنها . وتعليق * ( نَذِيراً ) * بفعل المشيئة ، للإشعار بأن عدم التذكر مرجعه إلى انطماس القلب ، واستيلاء المطامع والشهوات عليه ، وللإيذان بأن من لم يتذكر ، فتبعة تفريطه واقعة عليه وحده ، وليس على غيره . قال الآلوسي : قوله : * ( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) * الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق ، أعنى * ( لِلْبَشَرِ ) * وضمير « شاء » للموصول . أي : نذيرا للمتمكنين منكم من السبق إلى الخير ، والتخلف عنه . وقال السدى : أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها ، أو يتأخر عنها إلى الجنة ، وقال الزجاج : أن يتقدم إلى المأمورات أو يتأخر عن المنهيات . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر عدله في أحكامه : وفي بيان الأسباب التي أدت إلى فوز المؤمنين ، وهلاك الكافرين . . فقال - تعالى - : [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 38 إلى 56 ] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( 38 ) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ( 39 ) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 ) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ( 53 ) كَلَّا إِنَّه تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَه ( 55 ) وما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 )
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 131 .